يهود يترنموا على ألحان مصرية

يهود يترنموا على ألحان عربية .. حقائق مُدهشة عن اليهود والموسيقى العربية

لم يكن عبد الحليم حافظ ولا بليغ حمدي ليتخيَّلان أنَّ ألحان «على حسب وداد» ستُصبح من الأغاني التي يطرب لها اليهود في سبتهم، وتتحوَّل كلماتها إلى خدمة «إسرائيل» و«الهيكل» الذي يُريدون إقامته على أنقاض المسجد الأقصى، كما أنَّ العرب لا يتخيَّلون مدى تعلُّق أكثر اليهود -الشرقيين بخاصةٍ- بالموسيقى العربية ومقامتها، التي يتقرّبون بها إلى «إلوهيم»؛ فهي تُجسّد حنينهم إلى أرض الأجداد أولًا، كما تُجسّد شيئًا من ثورتهم على قمع اليهود الأشكناز (الغربين) لهم ولثقافتهم «العربية».

سنبحث هذا الأمر في التقرير التالي، وسنرى كيف أشعل عبد الحليم حافظ، وهو في قبره، الخلافات بين اليهود الشرقيين واليهود الأشكناز.

الحنين إلى «أرض الأجداد»

في فيلم «الفسيفساء»، وثَّقت المخرجة «شارلوت برونو» شيئًا من تفاصيل رحلتها للتعرف إلى حياة اليهود في المغرب، حيث انبهرت بمدى تأثُّر اليهود بالثقافة العربية والمغربية، وكيف عاش اليهود مع المُسلمين في سلامٍ لقرونٍ طويلة.

في الفيلم نفسه تقابل «شارلوت» عددًا من اليهود الذين قرروا الهجرة من «إسرائيل» بعد أن وجدوا أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية، حيث أن يهود أوروبا الأشكناز يحتلّون المرتبة الأولى.

هذا التعلُّق بالثقافة المغربية، سواء بالأكل أو الزيّ أو حتى بالموسيقى المغربية، ما يزال يتجلى في كثرة الرحلات السياحية الإسرائيلية إلى المغرب؛ وهو ما يؤكده مُرشد سياحي إسرائيلي في فيلم «الفسيفساء»؛ إذ أكَّد أنَّ «البلد العربيّ الوحيد الذي يُمكننا السّفر إليه بأمان -نحن الإسرائيليون- هو المغرب». أمَّا «بينحاس»، وهو يهودي أمازيغي هاجر إلى إسرائيل مع عائلته ولكنه عاد أخيرًا للمغرب لأنه اكتشف أن «الحياة في إسرائيل هي حياة جريٍ وراء المال»، يقول: «وأنا تعبْتُ، أريد أنْ أرتاح، أريد أنْ أنهي حياتي كما بدأتها، حياتي بدأت في المغرب».

من القمع.. إلى العالمية!

هذه الحالة من الحنين إلى «الثقافة العربية» و«أرض الأجداد» قُوبلت في إسرائيل بالقمع الشديد مُنذ قيّامها، حيث تم منع الموسيقى الشرقية في الراديو الإسرائيلي لعقود، في سبيل بوتقة «المجتمع الإسرائيلي» في قالب أوروبي «أشكنازي» جديد، ولم يفلِت اليهود الشرقيون من هذا القمع إلا في السبعينات حيث سُمح بإذاعة موسيقى شرقية في الإذاعات، إلا أنها كانت باللغة العبرية، وبقي الأمر كذلك حتى أواخر الثمانينيات، حيث بدأت تُسمع أصوات اليهود الشرقيين مثل «زوهار أرجوف» و«عوفرا حزه» وكذلك «عوفر ليفي» الذي اشتهر بطراز خاص مستوحى من الموسيقى العربية والتركية، واستطاع أن يحقق نجاحًا لم يحققه غيره، وقد بقي معه حتى سنة 2000.

في صيف 2015، تمكّنت أغنية «حبيب قلبي» التي أدتها ثلاث يهوديّات من أصول يمنية بأن تتصدر قائمة الأغاني الأكثر شعبية في إسرائيل، وقد حققت حتى الآن أكثر من 3 ملايين مُشاهدة على اليوتيوب فقط.

ترك الصلاة.. لأن «الموسيقى لم تعجبه»

هذا الاهتمام بالموسيقى العربية ليس مُجرد اهتمام سطحي في الواقع، فالأمر أعمق بكثير، حيث يذكر «روني ران» في مقاله له حول «مكانة الموسيقى العربية في الكنس اليهودية الشرقية» قصَّة حدثت معه أثناء تقّدمه لإقامة شعائر صلاة «عَرَبيت»، وهي تقابل صلاة «المغرب» عند المسلمين، وكانت تلك أول مرة يُصلي فيها كـ«حازان» -مثل الإمام- وقرر أن يصلي بـمقام «نهاوند»، وهو سُلم موسيقي في الموسيقى العربية وقريب جدًّا من مقام «نوى» الذي تُقام عليه تلك الصلاة بشكل عام، وهو مقام مُركب وصعب في الصلوات.

وما إن انتهى من ترتيل بضع كلمات حتى سمع ضجيجًا في الخلف، ولكنه قرر أن يكمل، ومع انتهاء الصلاة اكتشف أنَّ أحد المُصلين قد ترك الكنيس؛ فقيل له إنَّه ذهب للصلاة في كنيس آخر، يُحافظ على أداء الصلاة على مقام «نوى» وليس على مقام «نهاوند».

لم يكن ذلك الرجل موسيقارًا، بل كان مُجرد بائع في السوق، ولكنه وبحسب الكاتب يكشف عن حكاية التقاليد الموسيقية اليهودية المُركبة، فالصلوات في الكنس اليهودية السفاردية في القدس تُصلى وفق نظريات علوم المقامات العربية، حيث يوجد في الموسيقى العربية أكثر من 100 مقام، وأي زلّة خلال الصلاة في التحوّل من مقام لمقام، تتطلب تدخلًا من الحاخام كي يقوم بتصحيح «المرتّل»، كون كُل تغيير في أي مقام أو حتى في مركباته المُختلفة يُساهم في تعديل الحالة الروحانية للمستمع، كما يُمكن للمقامات المختلفة أن تُساهم في علاج أمراض نفسية وجسدية مُختلفة.

دراسة التوراة.. والأغاني العربية في الخلفية

يُعَد الحاخام «عوفاديا يُوسيف»، وهو من أشهر الحاخامات اليهود إطلاقًا، هو الزعيم الروحي لحركة «شاس» الدينية المتطرفة، وهو صاحب فتوى قتل العرب التي ذاع صيتها خلال الانتفاضة الثانية، ووصف العرب بأنهم أشرار وملعونون، وليس لهم إلا الجحيم.

رغم هذه التصريحات إلا أنه كان معروفًا بعشقه للموسيقى العربية لدرجة أنه لم يكن يستطيع أن يدرس التوراة إلا والموسيقى العربية في الخلفية.

وعوفاديا ليس وحده؛ فأغلب «المرتلين» من اليهود الشرقيين لديهم اهتمام واسع بالموسيقى العربية ومقاماتها، لدرجة أن الكاتب «روني ران» في مقالته حول الموسيقى العربية يقول بأنَّ أحد طلابه وعمره 14 عامًا جاء إليه مسرورًا جدًّا لأنه حصل على الأغاني الأصلية التي يستخدم اليهود معزوفاتها في موشحاتهم الدينية، ويذكر أن بعض طلابه مُلمون إلمامًا واسعًا بتاريخ الموسيقى العربية، لدرجة أن بإمكان هؤلاء أن يخبرونك ما هي الأغنية الأصلية، ومن الذي عزفها، وفي أي عام، بل وأحيانًا يُخبرونك في أي فيلم ظهرت!

أغنيّة «عبد الحليم» التي تحوَّلت إلى خدمة «الهيكل»

في الأيام الأخيرة، انتشرّ بيّن روّاد مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لجماعة من الحاخامات اليهود، يؤدون صلاتهم على نغمات وألحان أغنية عبد الحليم حافظ «على حسب وداد»، وفيما اتهم الكثير من المصريين اليهود بنهب تراثهم، علّق آخرون على عدم احترامهم لقدسيّة الصلاة، إلا أن أحدًا لم يعبأ بتفاصيل الحكاية.

الحقيقة أن هؤلاء «الحاخامات» هُم قراء متخصصون في ترتيل الصلوات اليهودية، ولكن تلك الجلسة لم تكن من صلاة، وإنما كان من جلسة تُعرف عند اليهود بـ«طرب السبت» في أحد الكُنُس، وهي أشبه بجلسات المديح والموشحات المنتشرة لدى الصوفية في الإسلام، والمهم أن مُعظم الموشحات والأغاني التي تكون في هذه المجالس تقتبس ألحانها من أغانٍ عربية في الأصل، وهي من أغانٍ مصرية تعود إلى أواسط القرن التاسع عشر وحتَّى أواسط القرن العشرين. وفي كتاب «الأناشيد» لديهم يُكتب اسم الأغنية التي اقتبست منها موسيقى الموشح، وبالتالي فلا بُد أن يكون هؤلاء ملمين إلمامًا تامًا بفن المقامات والغناء العربية، وباللغة العربية كذلك.

في حالة أغنية «على حسب وداد» لعبد الحليم حافظ، فقد تحوّلت إلى موشّح «إل حُبي سْلَحْ אל חובי סלח» وهو من أشهر الموشحات لدى اليهود، وكلماته فيها تمجيد لشعب «إسرائيل» كما فيها الوعيد لكل من يجرأ على التعدي عليه، وكذلك الحلم والانتظار لموعد بناء الهيكل الثالث، بعد هدمهم للمسجد الأقصى.

وهذه ترجمة -بتصرف- لبعض مقاطع الموشّح:

ربِ.. ارجع شعبك المُختار

للـ«قدس» مدينتك المحبوبة

حيث سيبنى «الهيكل»

وأرسل لها المسيح

بشرى لشعبك المحبوب

حبيبك.. حبيبك.. حبيبك!

عبد الحليم يتقلَّب في قبره!

ليس المصريون وحدهم من استنكر ما وُصِف بـ«سرقة» أغاني عبد الحليم؛ فهذه الأغاني «تسرق» منذ سنوات. في سبتمبر 2013، وتحت عنوان «العربية على مائدة السبت» نشر موقع القناة السابعة الإسرائيلية أن مُغنيًا إسرائيليًّا قرر أن يقتبس ألحان أغنيّة «عبد الحليم» ضمن ألبوم جديد بعنوان «أغاني السبت»، وأشار الكاتب: «ماذا بقي ولم نفعله كي نُجلس أبناءنا على مائدة السبت للغناء». وأكمل بلهجة ساخرة: «إن عبد الحليم يتقلّب في قبّره».

هذا الكلام أثار حفيظة اليهود الشرقيين، فأوقد الخلافات بينهم وبين الأشكناز؛ فكتب أحدهم مُعلقًا: «لمن كتب يومًا بأن نازيًّا على مائدة السبت مع أن معظم ألحانهم ألفها الأشرار الكفّرة -النازية- من الآن وصاعدًا فسوف ندعو أغاني الأشكناز (نازي على مائدة السبت)».

هذه الخلافات التي «أشعلها» عبد الحليم لم تقف عند هذا الحد، حيث نجد «نير» ينتقد قائلًا: «إن استخدام ألحان المُسلمين تُنجّس طهر الترانيم اليهودية»، أما «رونيت» فقد كتبت معترضة: «إن هذا اللحن لعبد الحليم حافظ، وهو عربي مصري يكره إسرائيل. وليس مفهومًا لماذا تقومون بغناء الترانيم الدينية بألحان العرب المُسلمين؟».

Share This:

شاهد أيضاً

معبر رفح وتقلبات الأنظمة

مع كل مرة يتم فيها فتح معبر رفح البري، تتناقل وكالات الأنباء صورًا لفلسطينيين مكدّسين ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *