رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير
عبدالمجيد الشوادفي
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد شاهين
نائب رئيس مجلس الادارة
سيد عبدالعال

أخبار عاجلة

تشويشات كبيرة بأنظمة GPS في عدد من الدول

LinkedIn
Twitter
Facebook

في عصر تكنولوجيا المعلومات والحروب الإلكترونية، تبرز مسألة التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) كجانب حاسم في الصراعات الدولية والإقليمية. هذا التشويش الذي يتضمن تدخلاً في إشارات GPS الأساسية للملاحة والتواصل يصبح أداة استراتيجية مهمة، ولكنه يحمل في طياته تحديات متعددة تمتد إلى ما وراء النطاق العسكري، وتؤثر بشكل خاص في الطيران المدني والحياة اليومية.

هذا التقرير يستكشف كيف تحولت هذه التكتيكات الدفاعية إلى قضية معقدة تتقاطع مع السلامة العامة والأمن القومي.

التشويش على GPS: أداة استراتيجية في الحرب الإلكترونية

التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) هو عملية تدخّل في، أو تعطيل، إشارات نظام تحديد المواقع العالمي الذي يعتمد على شبكة من الأقمار الصناعية لتحديد الأماكن بدقة على الأرض. يتم هذا التدخل عادةً عن طريق إرسال إشارات إلكترونية مشوشة أو قوية جداً إلى الأقمار الصناعية أو إلى أجهزة الاستقبال، ما يجعل من الصعب على هذه الأجهزة استقبال إشارات GPS بشكل دقيق.

في سياق الحرب الإلكترونية، يؤدي تشويش GPS دوراً مهماً يشمل تعطيل تردد الراديو أو الاتصالات مع جسم راديو معين أو قمر صناعي، بهدف الإضرار بالاستقبال أو فك التشفير عند الهدف المستقبل.

تاريخياً، ظهر هذا المفهوم من خلال الأساليب العسكرية في أوقات الحرب لمنع مقاطعة واعتراض الإرسال اللاسلكي من قبل العدو. كان الغرض العملي من التشويش هو منع العدو من استخدام الارتباط اللاسلكي بحرية.

خلال الحرب العالمية الثانية، استخدم النازيون هذا المفهوم للتشويش على البث إلى أوروبا من محطات “الحلفاء”، ولا يزال التشويش على القمر الصناعي قيد الممارسة في الأماكن التي تكون فيها الأقمار الصناعية عقدة الإرسال الوحيدة للوصول إلى المعلومات. ويعدّ التشويش على الأقمار الصناعية أداة سياسية قوية.

في حقبة الحرب الباردة، تم تعريف التشويش اعتماداً على تطبيقه الأساسي، وتم جمعه في فئتين عامتين: الموجة الأرضية أو جهاز التشويش المحلي الموجود في المدن والمناطق المكتظة بالسكان، وموجة السماء أو التشويش بعيد المدى الذي شمل الإرسال عبر الأقمار الصناعية لتغطية مناطق واسعة وبعيدة.

في الأمن اللاسلكي أو الشبكات اللاسلكية، يُعرَّف التشويش على أنّه تعطيل إرسال أو اتصال لاسلكي حالي عن طريق تقليل نسبة الإشارة إلى الضوضاء على جانب المتلقي، من خلال إرسال إشارات لاسلكية متداخلة. نسبة الإشارة إلى الضوضاء (SNR) هي العلاقة بين قوة الإشارة المرغوبة ومستوى الضوضاء أو الإشارات غير المرغوبة. عندما تكون نسبة الإشارة إلى الضوضاء منخفضة، يصعب على أجهزة الاستقبال التمييز بين الإشارة الفعلية والضوضاء الخلفية، ما يؤدي إلى خفض جودة الاتصال أو انقطاعه.

يُستخدم التشويش في الأمن اللاسلكي لعدة أغراض، منها:

– الحماية الأمنية: يمكن استخدام التشويش لحماية المعلومات الحساسة من التنصت أو الاعتراض، وخصوصاً في البيئات العسكرية أو الحكومية.

– مكافحة التجسس: في المناطق الحساسة أمنياً، يُستخدم التشويش لمنع استخدام أجهزة التنصت أو الأجهزة الإلكترونية المعادية.

– منع الاستخدام غير القانوني للشبكات اللاسلكية: يمكن استخدام أجهزة التشويش لحظر الاتصالات غير المصرح بها، كما في حالة السجون، لمنع السجناء من استخدام الهواتف المحمولة.

تشويش “إسرائيل” على نظام GPS لمواجهة حماس وحزب الله

في إطار الجهود الأمنية المستمرة لكيان الاحتلال الإسرائيلي للخروج من دوامة القلق التي خلقتها مسيّرات المقاومة وصواريخها الموجهة، قام بتكثيف عمليات التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) كاستراتيجية دفاعية ضد تهديدات محتملة من جانب حركة حماس وحزب الله. هذه الخطوة جاءت رد فعل على التطورات الأخيرة في استخدام الطائرات من دون طيار كأداة في النزاعات العسكرية، إذ يمكن أن تحمل هذه الطائرات المسيرة أسلحة أو تستخدم في عمليات استطلاع وجمع معلومات.

ولم ينجح الكيان في الحد من الآثار التي نتجت من هذا التشويش، مثل تأثيرها في المستوطنين الإسرائيليين وفي الأنظمة الخاصة بخدمات الطيران المدني؛ فقد تسبب التشويش في حدوث اضطرابات في أنظمة الملاحة الجوية، ما يؤثر في دقة الملاحة وسلامة الرحلات الجوية. هذه الإجراءات أثرت بشكل مباشر في مدى الاعتماد على أنظمة GPS في الرحلات الجوية المدنية، وربما سبب تأخيراً وصعوبات في تحديد المواقع وتوجيه الطائرات بشكل صحيح.

علاوةً على ذلك، يمكن أن يكون للتشويش على GPS تأثيرات واسعة النطاق في الخدمات الأرضية أيضاً، بما في ذلك التأثير في الأجهزة المحمولة وأنظمة الملاحة في السيارات، ما يؤدي إلى إرباك المواطنين. وقد يعرضهم لمخاطر متعلقة بالتوجيه والتنقل. هذا الوضع يجبر السلطات على التوازن بين الضرورات الأمنية والتأثير في الحياة اليومية للمواطنين والبنية التحتية المدنية.

موقع “بوليتيكو” أورد خبراً عن قيام “إسرائيل” بتعديل إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي في “أغلب مناطق مجالها الجوي الشمالي، بهدف الدفاع ضد الهجمات الصاروخية من قبل حزب الله”. وفقاً لتقرير الموقع الأميركي، لاحظ فريق من الباحثين في جامعة تكساس، الذين كانوا يتعقبون إشارات GPS في المنطقة لسنوات، ظهور نمط غير معتاد عقب الهجوم المفاجئ الذي نفذته حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وأن الطائرات التي كانت تطير قرب البحر الأبيض المتوسط اختفت مؤقتاً عن شاشات الرصد فوق مناطق واسعة من فلسطين المحتلة.

وأشار التقرير إلى أن هذه التقنية، المعروفة بـ”تضليل GPS” أو “GPS spoofing”، تجعل موقع الطائرة أو الصاروخ الموجه أو أي جسم يستخدم هذا النظام غير دقيق. ونقل عن تود همفريز، أستاذ في جامعة تكساس، قوله إن هذا يعد “أوضح مثال على تضليل هذا النظام شاهده في حياته”، موضحاً أنه “قد يؤثر في مئات الطائرات التجارية الكبيرة”.

بيّن همفريز أيضاً أن الصواريخ التي تعتمد على نظام GPS قد تفقد مسارها إذا ما تعرضت للتشويش، ما يصعب توقع مكان سقوطها في المستوطنات الإسرائيلية، ويزيد من خطرها على الإسرائيليين، خصوصاً تلك الصواريخ الموجهة نحو أهداف عسكرية.

تأثير التشويش في الطيران المدني

في ظل تصاعد استخدام أجهزة التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، أصبح من الضروري تسليط الضوء على تأثير هذه الإجراءات في قطاع الطيران المدني الذي يعدّ من القطاعات الحيوية والحساسة.

استخدام التشويش في مناطق مختلفة، وبخاصة في منطقة شرق البحر المتوسط، أحدث تأثيراً مباشراً وكبيراً في دقة الملاحة الجوية وسلامتها. تقنيات التشويش هذه تؤدي إلى تشويش إشارات GPS المستخدمة بشكل واسع في أنظمة الملاحة الجوية للطائرات المدنية، ما يسبب تحديات جمة في تحديد المواقع وتوجيه الرحلات بشكل صحيح، وقد ينتج منه تأخير في الرحلات أو إلغاؤها في بعض الحالات.

يشكل التشويش على GPS تحدياً كبيراً لسلامة الطيران، إذ يعتمد الطيارون ومراقبو الحركة الجوية على هذه الإشارات للتأكد من الهبوط والإقلاع الآمن للطائرات؛ ففي مطارات مثل “بن غوريون” ومطارات أخرى متأثرة بالتشويش، اضطر القائمون إلى إلغاء بعض الإجراءات المتقدمة، مثل أسلوب الهبوط RNP، والعودة إلى استخدام أنظمة بديلة مثل نظام الهبوط الآلي (ILS)، ما يضيف عبئاً إضافياً إلى الموارد ويزيد صعوبة تسيير الرحلات.

من هنا، فإنّ استخدام “إسرائيل” أجهزة التشويش المتطورة انطلاقاً من قاعدة جوية في شمال الكيان -قاعدة ميرون الجوية- لم يقتصر تأثيره على تحقيق الأهداف العسكرية، بل تعداه إلى التأثير بشكل ملحوظ في حركة الطيران المدني في المنطقة. قدرة الطائرات المدنية على استخدام أنظمة الملاحة القائمة على GPS تأثرت بشكل كبير، ما أثار مخاوف تتعلق بسلامة الرحلات الجوية وكفاءتها.

تصاعد التشويش على أنظمة GPS في المنطقة أدى إلى تحول شرق البحر المتوسط إلى بؤرة لهذه الظاهرة على مستوى عالمي. هذه الاضطرابات لم تؤثر في “إسرائيل” وحدها، بل امتد تأثيرها إلى كل الدول المجاورة، مثل لبنان وسوريا وقبرص، إضافة إلى التأثير الكبير في مطارات رئيسية مثل “بن غوريون” في الكيان، ومطار بيروت في لبنان، ولارنكا في قبرص. هذا التطور أثار قلقاً دولياً بشأن سلامة الطيران والحاجة إلى التنسيق الدولي لمعالجة هذه المشكلة.

مسيّرات المقاومة المقلقة للكيان.. لا تتأثر بالتشويش

في الفترة الأخيرة، شهدنا تطوراً ملحوظاً في استراتيجيات المقاومة اللبنانية، وخصوصاً فيما يتعلق بتقنيات الطائرات من دون طيار. استطاعت المقاومة إطلاق العديد من المسيّرات التي نجحت في اجتياز الحدود، وبعضها وصل حتى إلى مناطق اعتبرها الإعلام الإسرائيلي بالغة الحساسية، ما يشير إلى قدرة عالية على التحايل على الدفاعات الأمنية.

ومع ذلك، كان لاستخدام الاحتلال تقنيات التشويش المتقدمة على أنظمة GPS تأثير في حركة المسيّرات الخاصة بالمقاومة خلال فترة قصيرة. ولكن، من خلال تحليل الأحداث، وليس عبر المعلومات فحسب، نلاحظ أن أبناء الشهيد القائد في المقاومة حسان اللقيس، المهندس البارز لمسيرات المقاومة اللبنانية، طوروا بشكل ملحوظ تقنيات هذه المسيّرات.

وأصبحت المسيرات تشكل تهديداً حقيقياً للكيان الغاصب، وهو ما تجلى في عجز أجهزة التشويش والرادارات وأنظمة الاستشعار الإسرائيلية عن وقفها، وخصوصاً عندما ظلت تحلق لفترات طويلة فوق حقل كاريش. هذا يشير إلى أن المسيّرات أصبحت تعمل بتقنيات لا تعتمد بشكل كلي على GPS أو أنها طورت آليات للتعامل مع الموجات المشوشة بكفاءة.

إن تطوير هذه التقنيات يعكس مدى التقدم الذي أحرزته المقاومة في مجال التكنولوجيا العسكرية، ما يضع تحديات جديدة أمام الكيان الإسرائيلي في كيفية التعامل مع هذه الطائرات المتطورة وغير التقليدية.

من هنا، يمكن القول: من استطاع أن يوصل مسيّراته إلى قلب قاعدة التشويش الرئيسية للكيان في الشمال، قاعدة ميرون الجوية، فلن تردعه أي من أنظمة التشويش والاستشعار.

قاعدة ميرون: خير شاهد ودليل

صواريخ المقاومة الدقيقة والموجهة التي تستخدم بشكل يومي في الحرب الدائرة في الجنوب اللبناني، والمسيّرات التجسسية أو الانقضاضية، والعدد القليل جداً منها الذي أعلن الكيان الإسرائيلي إسقاطه، دلائل على يد المقاومة الطولى في الحرب لتجاوز أي تشويش على صواريخها ومسيراتها.

وخير دليل على كلمة المقاومة العليا أنها أصابت بصواريخ لم تتأثر بأي تشويش قاعدة التشويش الشمالية المركزية، ومرةً أخرى أصابت بمسيرة أو مسيرات انقضاضية لم تكترث إلى أي من المحاولات الاعتراضية.

يبرز تشويش GPS كسلاح ذي حدين يوفر ميزة استراتيجية في الحرب الإلكترونية. وفي الوقت نفسه، يطرح تحديات جسيمة للسلامة في الطيران المدني. تطور المقاومة اللبنانية في استخدام وتحسين تقنيات الطائرات من دون طيار يعكس مدى التقدم التكنولوجي الذي يمكن أن تحرزه المقاومة الفاعلة غير الدولية. من الضروري الآن، أكثر من أي وقت مضى، إجراء حوار دولي وتنسيق بين الدول لإيجاد حلول تضمن الأمن القومي دون المساس بسلامة المدنيين وحركة الطيران المدني، لنصل إلى توازن بين الحاجة إلى الأمن وحماية الحقوق والحريات الأساسية.

LinkedIn
Twitter
Facebook

إترك تعليق