كان أحمد بهاء الدين لا يتردد فى خوض المعارك دفاعًا عن المبادئ، ولم يكن يعرف المساومة ولا أنصاف الحلول، ولذلك تحمل الكثير من المتاعب وظل متمسكًا بما يعتقده. خاض معارك مع الفساد ومع الانفتاح السداح المداح ومع المتشددين فى الدين ومع جماعات الإسلام السياسى وكشف أجندتهم الخفية وولاءهم لقوى أجنبية، وحين جاء شمس الدين الفاسى على أنه رئيس المجلس العالمى للصوفية واشترى بأمواله عددًا من أصحاب النفوذ ومن صغار وكبار الصحفيين بالملايين التى كان ينفقها بغير حساب، فقد أشار الكاتب الصحفى الراحل جميل عارف فى كتابه الشهير «أنا وبارونات الصحافة» إلى المنتفعين بأمواله، وما ذكرته الصحف العالمية عن الجرائم التى ارتكبها فى لوس أنجلوس وفلوريدا ولندن وسريلانكا وأخيرًا فى القاهرة، وامتنعت الأهرام يومها عن نشر مقال لأحمد بهاء الدين يكشف فيه حقيقة الفاسى فامتنع عن كتابة عموده اليومى «يوميات» وتحمل هجوم «كدابين الزفة» عليه إلى أن ظهرت الحقيقة وانتصر بهاء وأصاب الخزى كل من عارضه وأساء إليه.
وفى منتصف الستينيات نشر كتابًا قال فيه إن الصراع بين العرب وإسرائيل هو فى الأساس صراع حضارى، وكالعادة استغل المغرضون الفكرة ليروجوا أنه يشكك فى القدرة العسكرية لمصر والعالم العربى لإزالة آثار عدوان ٦٧. كان هدف بهاء هو إعادة بناء العقل والمؤسسات العربية بما يتناسب مع العصر. كان داعية للنهضة وللحداثة والتقدم العلمى، ولكن أهل السوء قالوا إنه داعية لليأس، لأنه كان الوحيد الذى ارتفع صوته بالنقد للأوضاع التى أدت إلى الهزيمة وخطورة استمرار «الفجوة الحضارية» بين العرب والعالم المتقدم.
فى أعقاب هزيمة ٦٧ قامت المظاهرات تطالب بمحاكمة المسؤولين عن الهزيمة وفتح الأبواب للحريات، وكان بهاء وقتها نقيبًا للصحفيين فلم يتردد فى إصدار بيان طالب فيه بحق الجماهير فى المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الهزيمة مهما كانت مواقعهم، كما طالب بتوسيع قاعدة الديمقراطية ومشاركة الشعب مشاركة حقيقية فى القرار ومناقشة القوانين قبل إصدارها وإجراء انتخابات حرة للنقابات التى تجمدت وحرمت من اختيار قيادتها، وتحقيق العدالة فى توزيع الأعباء الاقتصادية، بحيث يتحمل الأغنياء النصيب الأكبر وتخف الأعباء على الطبقة المتوسطة وعلى الفقراء، وصدر بيان بذلك باسم مجلس نقابة الصحفيين يوم ٢٨ فبراير ١٩٦٨، طالب فيه برفع الرقابة عن الصحف، وتحمل بهاء غضب السلطة عليه، وعندما بدأ السادات سياسة الانفتاح وتحول الانفتاح من تشجيع الإنتاج وتحسين أحوال معيشة الفقراء إلى انفتاح استهلاكى لصالح المحتكرين والانتهازيين الذين نهبوا المال العام واغتصبوا أراضى الدولة، كان بهاء هو الصوت الوحيد الذى هاجم هذا الانفتاح الذى كان لصالح المحتكرين والانتهازيين وباسم الانفتاح نهبوا المال العام واستولوا على أراضى الدولة – كان بهاء رئيسًا لتحرير الأهرام فى ذلك الوقت، وفى عدد ١٢ يوليو ١٩٧٤ كتب مقالًا فى الصفحة الأولى بعنوان «الانفتاح ليس سداح مداح»، وأثار هذا المقال ضجة وأدى إلى الشعور العام بالغضب وذهب رئيس الوزراء آنذاك – الدكتور عبد العزيز حجازى – إلى الرئيس السادات يشكو إليه الحالة التى تولدت فى الشارع نتيجة للحملة التى استمرت يوميًا فى الأهرام تفضح صور الفساد واستغلال النفوذ والاستيلاء على أملاك الدولة، فقرر السادات وقف الحملة ومنع بهاء من الكتابة.. واستقال بهاء من رئاسة تحرير الأهرام واكتفى بكتابة عمود «يوميات».
وكان بهاء أول من طالب بعد هزيمة ٦٧ بإقامة دولة فلسطينية على الأراضى التى لم تحتلها إسرائيل ونبه إلى أن استسلام الفلسطينيين لخلافاتهم سوف يسمح للاستعمار الجديد (الأمريكى – الإسرائيلى) باستمرار احتلال إسرائيل للأراضى الفلسطينية وتوسعها فى بناء المستوطنات عليها، والغريب أن الفلسطينيين هم الذين هاجموه وقالوا إنها ستؤدى إلى تجميد المقاومة الفلسطينية وانشغالها بإدارة هذه الدولة وستجعل العالم يتصور أن الفلسطينيين حققوا مطلبهم بإقامة دولتهم. وبعد غياب بهاء أدرك الفلسطينيون والعرب أن بهاء كان على حق – ولكن بعد أن فات الأوان.. وهذه عظمة المفكر الكبير، أنه يسبق عصره ويرى مبكرًا ما لا يراه الآخرون إلا متأخرًا جدًا. ولا يزال فكره ينير العقول ويلهم الباحثين عن الحق والحقيقة والمشغولين بالمستقبل.