بقلم : إبراهيم المدهون
في عام 1994، جلست أوكرانيا إلى الطاولة، وأمامها ورقة، وعلى كتفها ترسانة نووية هي الثالثة في العالم.
أقنعوها أن الأمان ليس في الأصابع التي تضغط على الزناد، بل في التوقيعات على الورق.
تنازلت، سلّمت، وقّعت، وانصرفوا جميعًا.
أمريكا التي منحتها “الضمانات”، وقفت على التلّ، تعدُ بالدعم، ثم تقايضها على ما تبقى من ثرواتها.
القوة التي كانت تملكها صارت ذكرى، والمذكرة التي وقّعت عليها صارت نكتةً.
قبل سنوات، في غرفةٍ أخرى، جلس مفاوضو طالبان أمام الأمريكان. سألهم أحدهم أن يتخلّوا عن سلاحهم ابتسم أحدهم وقال: “هذا السلاح هو الذي أتى بكم إلى هذه الطاولة، ولولاه، لما التفتّم إلينا أصلاً، فكيف نُلقيه؟”
اليوم، يرفع الإسرائيليون ذات الورقة، يطالبون حماس بأن توقّع، أن تلقي السلاح، أن تدخل في “عالم جديد” بلا مقاومة، بلا قوة، بلا قدرة على الرد.
يقولون إن السلام لا يُبنى إلا على نزع السلاح، وإن الأمن لا يأتي إلا بعد تجريد الفلسطيني من وسيلته الوحيدة لحماية نفسه.
لكن التاريخ لا يخطئ حين يُعيد نفسه.
حين سلّم الهنود الحُمر سيوفهم وأقواسهم، جاءت المذابح التي محتهم من الوجود.
وحين وثق الليبيون بوعود إيطاليا، جاءتهم المقاصل والمشانق في صحراء سرت.
وحين سلّم قادة الأندلس مفاتيح مدنهم، لم يجدوا سوى محاكم التفتيش التي أحالتهم رمادًا.
اليد التي تُفرّط في سلاحها، لا تكتب مصيرها، بل يكتبه لها عدوّها بالحبر الأحمر.
وحماس تعرف هذا الدرس جيدًا. تعرف أن البندقية التي تُلقى اليوم، ستُرفع غدًا في وجه صاحبها.
ولهذا، فإنها تقول للإسرائيليين وللعالم كله: لن نكون هنودًا حمراً جددًا، ولن نرمي سلاحنا لنُساق إلى المذبح.
بقلم : إبراهيم المدهون من غزة