صلوا من اجل مصر

LinkedIn
Google+
Twitter
Facebook

 

بقلم د./سعيد شوارب

1- استدعاء من لجنة الامتحان :
__________________
لا ألتفتُ إلى الهمهمةِ المبحوحةِ من زميلى الإفريقىِّ المجاورِ فى اللجنة .. الوقت لا يكادُ يكفى .. يخالسُ المراقبَ فى توسلٍ كلما أمكن .. بعضٌ من الأسئلة يُعاسرُهُ ، فيعاسرنى هوَ .. أفلتتْ منِّى الضِحكة المكتَّمةُ فانتهت إلى المراقب .. لم يتذكر الإفريقىُّ كلمةَ ” شوارب” التى لقطهامنى أول مرةٍ فى أول اللجنة .. همْهَمَ فى لُكْنةٍ أفريقية متحشرجة ومستغيثة : يا ” شنايبْ !! جرَّتْ إلينا الضحكةُ المفاجئةُ المراقبَ فى ثوانٍ .. حال بين الأفريقى وبين ما يشتهى ..عيب يا أساتذة ، أنتم ناس كبار ..كنا قد تخرجنا من الجامعة 1967قبل الدبلوم العامة فى التربية، وتلك هى الدبلوم الخاصة التى تأخرت خمس سنوات بسبب الجندية .. خيَّم الصمتُ من جديدٍ على أجواء اللجنة .
أنت الملازم أول سعيد شوارب؟ أخذتنى عبارتُه المحددةُ أكثر مما أخذتنى اتكاءتُه الصارمة على كتفى.. منكبًّا كنتُ على ورقة الامتحان ..لستُ أعرف ملامحَهُ .. الملازم أول؟ هى اللحظةُ إذن .. كلماته الجادة ونظرتُهُ النفاذة جاءت مُغْنِيةً عن محتوى الورقة التى دسها فى يدى وهو يقول ” مبرُوكْ يا بطل”..أنا فلان من سلاح المشاة .. عبرْنا إلى سيناءَ اليوم .. سلمْ نفسك الليلة فى العباسية عند الساعة السادسة .. فى الورقة مكان الصعود إلى المركبات.. أبلغتُ الكلية رسميًّا لتحفظ حقك فى الامتحان إن شاء الله .
آه .. نعم ، لقد وقَّعْنا عندما جرى تسريحنا قبل شهورٍ، إقرارات بجميع الأماكن التى يمكن أن نكون فيها إذا أرادوا استدعاءنا ..لم يكن بينها عنوان كلية التربية جامعة عين شمس، فكيف اهتدى إليه ؟.. كان التسريحُ إذن جزءًا ذكيًّا من خطة التمويه البارعة على العدو .
فجَّرتْ كلماتُه نافورة مرتبكةً من الأفكارَالمفاجئةَ فى كل خرائطى، بأشدَّ مما بعثرت الأفكارَ التى كانت تتجمع على ورقة الامتحان قبل لحظات.. أجبتهُ بإيماءةٍ موافِقةٍ فرحةٍ دامعةٍ مبهورةٍ مصدومةٍ مبعثرةٍ بين ما بقى من أسئلة الامتحان ووقته الذى لا يرحم، وبين خبر العبورفوق المأساة المصرية ، وبين مواجهة أسماء زوجتى بتلك الأخبارالمباغتة التى لا ترحم .. فى يدها الآن ابنتنا الأولى هند .. أكملتْ هندٌ شهرها السابع قبل يومين فقط .. لا بد أنها منهمكةٌ الآن فى إعداد طعام الإفطار للعائديْن من الامتحان، زميلى العزيز فى دار العلوم ” فوزى أمَان” ، وأنا .. كنتُ قد اتفقتُ مع فوزى على أن ينزل عندى أيام الامتحان ولاحرج .. شاقةٌ مسافة السفر ومكلِّفة لأمثالنا يوميًّا من محافظة البحيرة إلى القاهرة .. منذُ فارقتُ فوزى أمان فى ذلك اليوم لم نلتقِ إلى الآن .. ولم نفترقْ أيضًا .. بيننا مودة قديمة تهزم الأوقات والمسافات .
لم يتحمل فوزى البقاء فى البيت مع إجهاش أسماء وصراخ هند..راح يدس أغراضه فى حقيبته بسرعةٍ ليرحل، يريدُ أن أتمكن أنا من الرحيل إلى جبهة القتال .. دموع أسماء المجهشة وصراخ هند ، أمرٌ فوق الاحتمال وفوق السيطرة .. أسماء هى أول من تلقَّى نبأ الحرب من أهلى .. هى التى عرَّفتِ المندوب العسكرى مكان وجودى فى الكلية بعد أن قرأت كتاب الاستدعاء .. استأذن فوزى فى الخروج .. اختلطت دموعه بدموعى ونحن نعتنق طويلًا، لم ننتبه إلى عشرة الجنيهات التى تركها متعمدًا إلى جوار سريره لعلها تنفعنا فى هذا الوضع المتفجر بالتحولات..لم يكد يغادر حتى ارتفع صوت أسماء بالعويل..لا تفلح محاولاتى المكظومة فى السيطرة على الموقف.. انحشرتْ كل المفردات فى حلقى ، لتستحيل نظرات إلى أسماء وهندٍ مختلسة ، وإلى شظايا جُملٍ لا يفهمها إلا أصحابها، فهى تحمل خصائص ” الاسكنر” المتطور، تنقل مائة صفحة دفعة واحدة .. الوقت يداهم .. لا بد من تحضير الملابس والأغراض العسكرية وبعض الأوراق والوصول إلى ” العباسية” قبل الغروب .
استعصَى علىَّ أن أقنع أسماء لكى تبقى فى البيت تنتظرُ من يصحبها من إخوتها مع هندٍ إلى بيت أبيها .
تخاف علىَّ وأنا هنا ، ولا أخاف عليك وأنت ذاهبٌ إلى الحرب؟-
سكتّ على أسئلةٍ فى المجهول لا تقبل السكوت.. على أشواق فى المجهول لا تعرف اليأس.. ثم على ضبْحٍ من جروح “يونيو67″ ،لا تعرف الالتئام .
تنتهى إلينا فى” الباص” المتجه إلى العباسية، فرحة المصريين فى الشوارع وأصوات أغنية وطنية جديدة لا ندرى منى أخرجوها ” باسم الله باسم الله .. الله أكبرْ باسم الله باسم الله .. أذِّنْ وكبَّرْ باسم اللهْ ، باسم اللهْ .. الخ “أغنية يهتز لها القلب، وهى تبشر بالنصر،على سنوات الهزيمة الجاثمة على أنفاس المصريين .. لم نصل إلى العباسية إلا وقد حفظها الناس مع أنها تصل إليهم من المقاهى والمحلات والسيارات .. يرددون الأغنية فى حماس وسعادة غير مسبوقة .. لا حديث فى الشوارع إلاعبور مصر، وسقوط حصون بارليف ..أعلام مصر رفعها الأبطال اليوم فوق خط بارليف لينكسر كبرياء صهيون ولتطهرَ سيناء الأسيرة منذ ست سنوات ذليلة .. هكذا جرت الأحداث فى ذهن المصريين وضج بها الشارع المصرى .
طابورٌ من ناقلات الجند طويلٌ فى المكان الذى حددتْه الورقة .. بعضها يوشك وبعضٌ امتلأت فيه كل المقاعد،يلف الوجوهَ فى الناقلات صمتٌ قلما يقطعه شىء غير نداءالضباط وهم يدلونك على تشكيلك العسكرى ، ويحددون لك السيارة بعد نظرة فى الورقة .. يسجلون .. يتممون عليك قبل الصعود.. أسماء تقف بهند تبكى عند شجرة بعيدة .. أراها من حيث لا ترانى.. كنت واحدًا من أربعة ضباطٍ فشلوا فى إقناع زوجاتهم أو أمهاتهم بالوداع فى المنزل .. المنطقة حول الناقلات مليئة بالمودعين والمواطنين من الشباب .. يكبرون ويحيون ويهتفون للوطن، ويقدمون الطعام والمشروبات انتظارا للإفطار.
سمعت مصر كلها مدفع الإفطاريوم العاشر من رمضان، غيرأن صوتى لم يبلغ أسماء وهند .. ضجة الناس وهدير المحركات الناقلة .. لم تبلغهما فى الزحام صيحاتُ ذراعىّ ..لكنى كنت على يقين أن أسماء ستجدُ صدى نداءاتى الأخيرة .. ربنا معكما أسماء.. خلى بالك من هند..سلمى على أمى وأهلى .. صلوا من أجل مصر .. !

LinkedIn
Google+
Twitter
Facebook

إترك تعليق