مديريه الأمن..اللغوى!

LinkedIn
Google+
Twitter
Facebook
  1. د/ سعيد شوارب

أنت تعرف من هذا العالم ، بمقدار ما تعرف من لغتك ، وتعرف من دينك ومن قومك بمقدار ما تعرف من لغة دينك ومن لغة قومك ، فلغتك هي عالمك ، وحدود هذا العالم إذن ، تمتد أو ترتد ، قدر ما ينتعش فيك من إمكانات هذه اللغة أو ينكمش .
ذلك أن كل إنسان إنما يبدو الكون في عينيه حسبما يجد في نفسه ، وليس واجدًا في نفسه إلا ما أوجدته إمكاناته اللغوية .
اللغة إذن – عزيزي القارئ – ليست أداة توصيل فقط ، وليست وعاء فكر فحسب، ولكنها قبل ذلك ، هي الوسيلة الوحيدة التي تتشكل بها تصورات الإنسان, ويقاس أداؤه الاجتماعي ونسق تفكيره ، حين يترقى ، أو حين يتردّى .
وعلى ذلك ، فإن اللغة كما يقول شيخ العربية ” مصطفى صادق الرافعي ” في ” وحي القلم ” هي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها ، وجودًا متميزًا قائمًا بخصائصه … تتحد بها الأمة في صور التفكير ، وأساليب أخذ المعنى من المادة .
والدقة في تركيب اللغة هي الدليل على دقة الملكات في الأمة ، وعمق اللغة هو برهان عمق الروح فيها ، وهو الدليل المحسوس على ميل الأمة إلى التأمل والتفكير والبحث .
وكثرة المشتقات في اللغة هي المؤشر المسموع الذي يؤكد نزعة الأمة إلى الحرية ، فإن روح الاستعباد – كما يقول الرافعي – ضيّقٌ لا يتسع ، تراه عيـيــًّا، يدور في عدد من الكلمات يقلبها هناك وهنا , فإذا حاول غيرها , ضربته الفهاهة والعـِىُ , وأخذته اللخمة , ولن تجد في الناس أمةً آخذة بزمام لغتها , إلا وجدتها مالكةً لإرادتها , آخذة بزمام حضارتها , محققة لروح وجودها الإنساني .
وفي المقابل , فإن تراخي الأمة عن لغتها , والاستخفاف بأصولها , والزهو بمعرفة غيرها , كل ذلك أو بعضه , هو إيذان بسريان الاضمحلال في روح الأمة , وتحول شعبها تابعـًا لا ينهض بشرف السيادة على مستقبله , ولا يمسك شرف ميراثه , لأن انقطاع رباط اللغة هو انقطاع من النسب , نسب التاريخ ونسب التراث ونسب القيم الضابطة للسلوك , أو قل في كلمة واحدة , إننا أمام شعب وضع هويته في مهب الريح .
وقد اكتشف الأعداء والمستعمرون هذه الحقيقة – عزيزي القارئ – منذ زمان , إذ عرفوا أن تحول الشعوب عن أفكارها وعواطفها وانتماءاتها , يبدأ أول ما يبدأ, بتحويلها عن لغتها , إذ اللغة هي الوعاء الذي يضم جميع ذلك , ومن هنا , فإنك لا تجد عبر التاريخ , عدوًا محتلاً لشعب , إلا وهو بادئٌ بفرض لغته عليه , وإبراز عظمته فيها ثم قمع لغة هذا الشعب , وإرغامها على الذلة والانزواء في ضيق السبل , ثم الذوبان والتلاشي , وليس شيء يمسك اللغة ويظهرها على غيرها , ويكفل ازدهارها في ألسنة أهلها , إلا أن تـُمسكها عصـَبة قوية نابعة من الدين أو القومية , ولنتذكر في هذا السياق أن نشأة علوم اللغة ونهضتها في الحقب الأولى للإسلام , إنما بعثها شعور ديني يقظ , هبّ لحياطة القرآن بحياطة لغته , تلك التي تحمل رسالته إلى أهل الأرض , وليس يكون ذلك إلا بلسانٍ عربي مبين, وربما كان من الأمثلة المضيئة للغيرة على نقاء العربية وسلامتها , كلمة عمر بن الخطاب , يوم سأل صبيـّا عن خطئه في رمي الهدف , فأجابه الصبيّ “يا أمير المؤمنين , إنما نحن متعلمين ” !! (لم يقل : ” متعلمون ” ) , فقال عمر رضى الله عنه , ” لخطؤك في قولك , أشد عليّ من خطئك في رميك !! ”
فالطامعون والمستعمرون , يعلمون علمـًا ليس بالظن , أنهم حين يرون العربي , وقد أصبح يحب اللغة الأجنبية ويعجب بها , فإنه سوف ينشأ من ذلك نزوع طبيعي , إلى أهل هذه اللغة وإعجاب بهم , وهنا تنمو ميوله وانتماءاته إليهم , بقدر ما تنمو لغتهم على لسانه , في الوقت الذي يقابل ذلك النمو , وَهَنٌ وتراجعٌ في لغته العربية , ثم وهن وتراجع في عصبيته لها , وينجم عن ذلك بطبيعة الأمور وهن في شعوره القومي , وحسه الوطني , فلا يصعب عليه آنذاك , أن ينتقص من أسلافه , وأن ينسلخ من تراثه , وأن يتعطل فيه الإعجاب برموز هذا التراث , والزهو بصناع هذا التاريخ , فإذا هي أشياء لا توحي إليه أسرار عزتها ولا عظمة دينها , ولا معاني وطنها ، وبذلك ينتقض بناء أمة بأكمله بنقض – الرباط الأول ، وهو اللغة , وبذلك يُمسى الإنسان مقيمـًا في وطنه , وهوغريب , مشدودًا إلى ناس غير أهله , وإن زعم غير ذلك .
ومن هنا تصبح قيمة الأشياء كما يقول الرافعي رحمة الله عليه – عند هذا الصنف من خلق الله , بمصدرها لا بنفسها , وبالخيال المتوهم فيها , لا بالحقيقة التي تحملها , فيكون شيءُ الأجنبي في مذهبهم ,أجملَ وأثمنَ , وإن كان الوطني أجمل منه , إلا أن ميلهم المريض , يسلبه محاسن نفسه , ويخلع عليه مساوئ وزورًا, ومنكرًا من السلوك وازُوِرَارًا , فهم يلقونك بكثير من الزهو وهم يرطنون بلغة غيره .
ولك – عزيزي القارئ – أن تراقب كثيرًا من النماذج البشرية التي تحيط بك ولا سـيـّما – وهو الأدهى – من الشباب , لتكتشف من أمرهم منكرًا من القول ، فهم لا يشعرون بأدنى قدرٍ من الخجل , عند فشلهم في التعبير بلغتهم , إذ يخبرُك فى مصر ، بأنه ليس ” بتاع عربي “،أويخبرك فى الخليج ، بأنه ليس راعى عربى !! ” .. أو أن اللغة العربية هذه , ” لغة صعبة يا شيخ! ” وكأن لغتنا العربية , لم تعد لغة حياة وثقافة أمة، بل لغة فئة ومدرسين ومهنة! وهذا الوضع الثقافي المحزن , يتخذ أنماطـًا سلوكية أشد إثارة للحزن , وأكثر إثارة للدهشة , فالأشياء الأجنبية عند هذا الصنف من خلق الله , لا تحمل قيمتها واحترامها , إلا إذا بقيت تحمل أسماءها الأجنبية , فإذا أنت نزعت علامة ” كالـُفـُنِ كلاين CK ” مثلاً , عن منتج من هذا القبيل , نقصت قيمته , ونقصت تبعـًا لذلك حماستهم له , وليس ذلك إلا نقصـًا في نفوسهم , وإلا خللاً محزنـًا في النظر إلى الأشياء في ذاتها , يعكس خللاً محزنـًا في حقيقة الانتماء , نتج عن التبعية بوعي أو بغير وعي , ثم هم يحسبونه هيـّنـًا , وهو عند الله عظيم !
ولا يتجاوز الأمر حدود الدهشة , إذا انتبه التجار إلى تأثير ” مركب النقص ” هذا عند المستهلكين , فراحوا يزيفون العلامات التجارية ويلصقونها على السلع غير ذات القيمة , ويطبعون عليها عبارات وشعارت بالإنجليزية , فإذا هي تروج عند هؤلاء الذين سقطوا في شرك هذا ” الاحتلال العقلي ” فكان من أمرهم ما ترى .
وربما كان من المفارقات المضحكة أو المبكية – إن أردت الدقة – , أن دخلتُ مرة معرضـًا للملابس الجاهزة بالكويت , فاخترت ” بنطلون ” أعجبني , ولما عرفت ثمنه , قلت للبائع :
– لقد رأيت مثله صناعة ” البلد الفلاني ” , وبالثمن نفسه !
فبادرني بعفوية على الفور :
– تحبّ أخلـّيه لك كما تقول ؟
أدهشتني صراحته … فأجبت أستقصى الأمر :
– نعم
فنادى صبيه الواقف :
– بسرعة
ولم تمض أكثر من خمس دقائق حتى حمل ” البنطلون ” عبارة ” Made in Germany ” .

اللغة – عزيزي القارئ – كائن حي , يؤثر كما يتأثر , فإذا أعززته عز وأعز , وإذا أهنتته هان وأهان.
فإذا ما ذلـَّت اللغة في قومها , ضعفت عصبيتهم لها , ولمَا وراءها من معاني قوميتهم ووحي دينهم , وانفتح الطريق بقوةٍ للغةِ الأجنبي , تحمل معها صيغ فكره ومفردات سلوكه , وظلال قيمه , وسهلت عليه المهمة في هدْم البِنَي الروحية والثقافية للشعوب المغلوبة عسكريًا أو ثقافيـًا , فالبني الروحية تتأثر كما تتأثر البِنـَي الجسدية , بالعوامل الداخلة عليها , وتعْوجّ أحوالها أو تستقيم تبعـًا لطبيعة هذه العوامل .
اللغة الأعلى عند الإنسان – عزيزي القارئ – هي الوسيلة الأعلى في صياغة روحه وشحنها , ولا يمكن أن تكون اللغة التي دونها إلا محكومة بها , وخاضعة لها , تلك سنة مستقرة في قوانين الروح والثقافة , كما هي مستقرة في قوانين المادة , فاللغات عندما تلتقي لتصب في شخصٍ واحد , تشبه الأنهار , عندما تلتقي لتصبَّ في مجرى واحد , فالنهر القوي المتدفق , يزحم الأقل منه قوة ويمنعه من دخول المجرى , فلا يكون عليه إلا ينـُزَوىَ مستسلمـًا لمنطق القوة , أو يتحول إلى بحيرة في أحسن الظروف , ولكنه في الأحوال كلها , مات فيه معنى النهر .
ألست تلاحظ – عزيزي القارئ – أن الأمم الفاهمة , تحمي أطفالها من تلقي لغة أجنبية مع لغتهم الأم , في السنين الأولى من حياتهم التعليمية الطرية ؟
وهل يجوز أن نغفل الفكرة التربوية الغنية بالدلالة , من حظر المزاحمة اللغوية في سني النشأة الأولى للأطفال ؟
وهل يمكن أن تغـتر بدعاية الذي ينادون باللغة الإنجليزية في المرحلة الأولى , فإذا دعوت إلى إدخال محفظ القرآن الكريم إلى جانب مدرس الإنجليزية , سمعت للرفض ألف تعلة وتعلة ، وضاقت الميزانيات برواتب المحفظين ؟
لست أريد – عزيزي القارئ – أن يسبق إلى بعض الأذهان , أن هذا الذي ترى في مقالتى هو دعوة إلى نـبـذ اللغات الأجنبية أو التقليل من أهمية تعليمها , ذلك أمر لم يخـُطر لي بطبيعة الحال , ولا يجوز أن يخطر لعاقل , فإن تاريخ الحضارة الإنسانية والحضارة الإسلامية جزء شديد الأهمية منها , ليس إلا سلسلة متصلة من التأثير والتأثر بين لغات هذه الحضارات , ومعلوم أن تقوقع أمة في لغتها , هو إيذان بانحدارها إلى ممرات الخمول , والموت اختناقـًا .
ولكن دعوتي هنا , ليست إلا صوتـًا مخلصـًا يحاول أن ينفذ بإخلاص إلى قلوب أناس قبل آذانهم , إذ غرهم من الأمر ما غرهم , لعلهم ينتبهون إلى وجوب إعادة اللغة العربية إلى مكانها من سلم الأولويات وألا يقدموا عليها غيرها , وأن يحاولوها في كثير من شئونهم , سيما وهي ماتزال بحمد الله قادرة على التعبير في جمال وقوة عن شتى شئون الحياة , وليست مجلة ” آفاق الإنترنت ” إلا جوابـًا عمليـًا على الذين يشكون في قدرة العربية على النهوض بعصر العلم والتكنولوجيا , أما أن هناك مشكلات ومشكلات تحتاج إلى ” انتفاضة ” من أجل إنشاء ” مديرية للأمن اللغوي ” ، فنعم … وأما أن هناك حلولاً وحلولاً، فألف نعم ونعم .

LinkedIn
Google+
Twitter
Facebook

إترك تعليق