يوم ” تكلْثَم ” أحمد رَامي !!

Share on linkedin
LinkedIn
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on facebook
Facebook
Share on linkedin
Share on google
Share on twitter
Share on facebook

بقلم د./سعيد شوارب

حطتْ ” أم كلثوم ” على فضاء الأذن العربية ، فانتبه عالم من الفن ملأ الدنيا وشغل الناس – كما يرى أهل هذا المجال- .. فلاحة مصرية ، وكبرياء شاهقة ، حملت معها إلى القاهرة بكارة الأرض ، ونضارة الشجر .. ينبض في صوتها وفي سمْتِها ثراء النيل وحريرُه ، وفيضانه على جنبات مصر ، شابة مصرية بسيطة ، كأنما تتحدر ألحانها من عُليا الجِنان جداولاً تترقرقُ ، على حد تعبير أمير الشعراء شوقي .
أحدثت أم كلثوم في بلاط الفن الجميل ، مثل هذا الذي أحدثه النابغة الذبياني قديما في بلاط الملك ” النعمان بن المنذر ” إذ كان النابغة قد استقطب إليه القلوب والأسماع , فأطفأ نجوم طائفة كبيرة من الشعراء المتألقين ، وأخمل ذكرهم ، حتى لتروي المصادر أن ” عصام بن شهير ” حاجب الملك، لما عرف بعودة النابغة إلى صديقه النعمان بعد الجفوة المعروفة في القصة المشهورة ، نصح صاحبه الشاعر ” حسان بن ثابت ” – رضوان الله عليه ، أسلم بعد ذلك وصار يسمى شاعر الرسول – نصحه بأن يرحل عن القصر الملكىِّ عند وصول النابغة ، فإنه إذا قدم على الملك ، فليس لأحدٍ من الملك النعمان حظٌ سواه ، ثم ختم ” عصامٌ ” وصيته الهامسة لحسان ، ” فاستأذِنْ عند وصول النابغة وانصرفْ مُكرّمًا ، خير من أن تنصرف مجفوًا ” .
كثير من الساسة والشعراء والكتاب والملحنين داروا في فلك أم كلثوم ، غير أن أحدًا لم يسبح في هذا المدار كما سبح ” أحمد رامي ” (9/8/1892 –4/6/1981) ، حتى إنك تستطيع أن تقول في غير تجاوز يذكر ، أن رامي قد صار كائنـًا ” كلثوميـًا ” يستحيل أن ينفصل عن هذا المدار الكلثومي ، دون أن يستحيل مدًى من غبار ، فكأنما هو نجم سقط من فلكه السرمدي ، لقد صارت أم كلثوم حضورًا حاكمًا على سلوك رامى الشعريِّ والفنيِّ والإنسانيِّ جميعـًا ، بحيث يستحيل الاستقلال عنها ، إلا إذا استطاع غريق أن يستقل وقد أخذته الدوامة تسحبه في العاصفة الدوارة في غمرة البحر، فلا تزيده محاولات الخروج إلا غوْصـًا.
وإذا كان ” أحمد رامي ” قد ” تكلثم ” ، فإن ” أم كلثوم ” بحسها الذاهب في الرهافة وبعد اكتشافها لغنائية أشعاره، كانت قد ” ترامت” هى الأخرى ،-اشتقاق من رامى إن صح التعبير- إذ عرفت فيه نبعًا فريدًا وصوتـًا جديدًا في الشعر الغنائى ، فاختارت له قبل أن تقابله قصيدته ” الصَّبُّ تفضحُهُ عيُونُه ” تلك التي جاءت حدثـًا فنيـًا لافتـًا ، وسط الإسفاف الذي غرقت فيه الأغنية المصرية آنذاك. أحست أم كلثوم بفطرة الريفية الذكية أنها وقعت على نبع أصيل من منابع الفن ، فاشتد إعجابها به ووسعت له من وقتها وبيتها، خصوصًا أنها أدركت شدة تعلقه بها وإقباله عليها ، فأصبحت تلميذة رائعة في مدرسة رامي التي لم يكن فيها إلا أم كلثوم ، يختار لها دوواين الشعر ويقرأ معها ويحاورها على دقائق المعاني وروعة الخيال وذكاء الشعراء في التحليق وراء عرائس المعنى ، واللافت فى الأمر ، أن أم كلثوم ، تلك الفتاة الريفية المحدودة التعليم ، كانت لها الذائقة النفاذة إلى مناجم الشعر الرهيفة ، وإلى المعانى الثوانى التى هى الهدف الأصيل وراء حدائق المجاز البكر عند الشعراء ، حتى إن رامى استطاع أن يجعل أم كلثوم – كما حكى لى ونحن فى بيته ذات مرة – تهوى القراءة فى ديوان ” الشريف الرضى ” الذى هو شاعر رامى المفضل .
وقع الارتباطُ بين رامى وأم كلثوم ، في عميقٍ من النفس ، وغامضٍ من الحس ، ولكنه جرى على نحويْن مختلفيْن سوف نرى عما قليل اختلاف تجلياتهما ، ولكن قصة أحمد رامي وأم كلثوم ، وما قاله فيها من شعرٍ ، فريدة في تاريخ الآداب – كما يقول الناقد المصرى المعروف، الدكتور محمد مندور – حتى لتحسبها أقرب إلى الأساطير، منها إلى تجارب الحياة ، وسوف تظل هذه القصة – كما يقول الأستاذ الناقد محمد أمين حسونة – في أفواه الأجيال ، إلى أن يُقيِّض الله من يخلدهما في مقطوعة سامية ، كروميو وجولييت.
لقد كان هذا الارتباط أقوى من المصالح، وأغمض من العواطف .. كان شيئـًا يشبه التقديس .
أم كلثوم كانت هي كل الحياة عند رامي ، وكان رامي هو كل الشعر عند أم كلثوم , وهذا الفارق الجوهري هو الذي صاغ هذه الدراما النفسية عند الشاعر، ومد لنا نحن دارسى الأدب والشعر هذا البساط الحريري المحروم الذي امتد إلى ثمانية دواوين وعدد متميز من المسرحيات وآلاف من الأغنيات الدارجة الرفيعة الصياغة.. الغنية بالشاعرية ، لكن رامي نفسه ، كان يداخلهُ بقوةٍ إحساس بأن اللهجة العامية مهما بلغت من الحظ والفن والشهرة ، فسوف يطفئها الزمن بحكم التطور التاريخى ، كما ستطفئها المسافات والأمكنة باختلاف اللهجات والألسنة عبر الناطقين بالعربية فى كل مكان، وإذن فالعامية – كما رأى رامى ، وأنا معه – عاجزة عن الاستمرار فى التاريخ ، بقدر ماهى عاجزة عن الانتشار فى الجغرافيا، ولكنه رضى بأن يكتب الشعر بالعامية إرضاء لأم كلثوم ، وربما لهذا السبب، فإن رامى كان يضن ببعض أعماله الذائعة على الدارجة المصرية ، فيحاول من جديد “إعادة ولادتها فصيحةً ” – إن صح التعبير- ناسيًـا أن القصيدة كالجنين الحى ، لا يولد مرتين .
ومن أطرف تجارب رامى فى ” إعادة ولادة القصيدة “العامية ، مترجمة إللى قصيدة فصيحة، تلك القصيدة البديعة فى كلماتها وتلحينها وغنائها أيضا ، وهى المشهورة باسم “هَجَرْتَكْ ” التى قدمها رامى إلى أم كلثوم بوصفها “رسالة حبٍّ ” حقيقية وشخصية ، تعكس ذات رامى الإنسان وليس رامى مؤلف الأغانى ، موجهةً إلى ذات أم كلثوم الإنسانة ،وليستِ المغنية الفنانة ، ولهذا جاءت القصيدةُ حالةَ احتراقٍ عاطفىّ ، لا عملية احترافٍ فنِّى ، وهى التى يقول فى مطلعها :
هجرْتَكْ يِمكنَ انْسَى هَوَاكْ
وودَّعْ قلبكِ القاسِى
وقلتَ اقدرْ فى يُوم اسْلاكْ
وَافَضِّى مِ الْهوَى كاسِى
لقيتْ رُوحى فى عزِّ جفاكْ
بافكَّرْ فيكْ وانا ناسِى .

ولقد كان أن واجهت رامى ذات حوارٍ فى بيته ، بأننى سوف أقول رأيى بصراحة فى القصيدة المترجمة إلى الفصحى ، فأنا رجل مشتغل بالنقد بحكم المهنة .. أحسَّ رامى بأن الكلام لن يكون فى صالح تلك الترجمة ، فابتسم ابتسامة المستعد للنقد وقال وهو يشيح بيد أنهكتها الشيخوخة :
كثيرون بنوا لرامى قصورا من المدح ، وكثيرون نصبوا لرامى أكواما من الذم ، فلا بأس أن تجىء أنت فى آخر الزمان ، فتزيد الأكوام حجرًا .

ولعله يتاح لنا فى مرة قادمة – عزيزى القارئ – ، فأنشر النصين متقابلين ،مع تعليقى عليهما ، لكى يتاح لك أنت أيضا ، أن ترفع من قصور رامى ، أو أن ترمى على أكوامه حجرًا .
وقد قدر لي أن أكون قريبـًا من أحمد رامي في السنوات الأربع الأخيرة من عمره، حين كنت أعد لدراستي عن شعره بين عامي 1977 – 1980 في درجة الماجستير، وقد أتيح لي أنْ أسجل له عشرة شرائط كاملة كانت من أعز مقتنيات مكتبتى قبل أن يبيعها كلها السفهاء،لأصحاب ” الروبابيكيا” ليحصلوا عنوة على الشقة الفارغة – أقول إنه قد أتيح لى أن أنصتَ إلى رامى طويلاً ، وأن أستمع إلى أحاديث ” عطيات ” زوجة رامي ، أو ” عطا ” كما كان يحلو له أن يسميها، وأن أطلع من هنا على جوانب مثيرة من علاقة رامي بأم كلثوم، ومشاهير الشعراء فى عصره وأمشاج من علاقة ” عطا ” بهذه المغنية اللدود، كما أتيح لى أن أعرف السر فى أن أم كلثوم لم تدخل بيت الرجل الذى دخلت هى حياته من جميع أقطارها، وأن أفهم السرَّ في أن أم كلثوم ، استجابت لرغبة شاعرها الأثير أحمد رامى طويلا ، فلم تغن شيئـًا من شعر أحمد شوقي وهو من هو، إلا بعد أن مات أمير الشعراء ،عام 1932 بسنوات .
سعيد شوارب

Share on linkedin
LinkedIn
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on facebook
Facebook
Share on linkedin
Share on google
Share on twitter
Share on facebook

إترك تعليق