النقرس الكاذب: قصة اكتشافه وتطور طرق التشخيص

الدكتور محمد عطية مرتضي

أستاذ مساعد الروماتيزم وأمراض المفاصل

 بجامعة الزقازيق

اكتشف الفراعنة النقرس قبل 4700 عام وظل العالم كله لا يدري أن هناك نوعاً كاذباً منه حتي اكتشفه الأمريكان قبل 60 عاما فقط وقصة اكتشاف النقرس الكاذب تروي طرفا من قصة تطور الطب والبحث العلمي من منتصف القرن العشرين حتي وقتتنا الحالي فكيف  تم اكتشاف هذا المرض الحديث نسبيا؟

في منتصف القرن الماضي كان أستاذ الروماتيزم بجامعة بنسلفانيا بالولاياتت المتحدة الأمريكية الدكتور ماكارثي يدرس البللورات التي تترسب في المفاصل فتسبب مرض النقرس. كان الدكتور مكارثي يسحب بعض السوائل من المفاصل الملتهبة في المرضي الذين يتم تشخيص حالتهم أنها نقرس حاد و أحيانا كان يأخذ بعض العينات من الغشاء المبطن للمفاصل الملتهبة ثم يقوم بقحص كل ما لديه باستخدام الميكرسكوب الضوئي ليحاول العثور علي بللورات اليورات المسببة للنقرس فيكون التتشخيص حينها مؤكداً بنسبة كبيرة.

مع مرور الوقت شعر د.مكارثي أن تلك الطريقة غير دقيقة بما يكفي ذلك أنه لم يستطع العثور علي البللورات في مفاصل مرضي هو متأكد تماما من اصابتهم بالنقرس. ناقش مكارثي ملاحظته تلك مع أستاذه الذي علمه الروماتيزم في نفس الجامعة الدكتور هولاندر الذي أشار عليه بأخذ رأي روبرت هوجز مصور البللورات المحترف الذي أخبره بدوره أن عالم النباتات الدكتور بول جرين قد اشتري حديثا ميكرسكوبا قطبيا يري البللورات بوضوح وكان حينها جهازا جديدا . ذهب مكارثي حاملا عيناته الي مختتبر النباتات الخاص بدكتور جرين الذي كان كريما معه فسمح له باستخدام ميكرسكوبه القطبي وبالفعل عثر مكارثي علي بللورات اليورات في العينات التي كانت نتيجتها سلبية بالميكرسكوب العادي وأصبحت تلك الطريقة هي الطريقة المعتمدة لتشخيص النقرس. لم ينته الأمر علي ذلك فقد وجد مكارثي بللورات مختتلفة الشكل عن بللورات اليورات فهي شبه مستطيلة بينما بللورات اليورات مدببة كما أنها موجبة القطبية بينما بللورات اليورات سلبية القطبية ثار التساؤل هل يوجد نوعين من بللورات اليورات يسببان النقرس أم هما بللورات مختتلفة تماما وحينها فنحن أمام مرضين مختلفين وان كانت الأعراض واحدة. للاجابة علي هذا السؤال أجري د.مكارثي بمعاونة اثنين من طلبة الدكتوراة لديه تجربة كيمائية بأن أضاف انزيم اليوريكيز المعروف باذبة بللورات اليورات علي كل العينات وكما هو متوقع فقد ذابت كل بللورات اليورات بينما البللورات الجديدة لم تذب. وهنا كانت الاجابة أنه أمام مرضين مختلفين بأعراض واحدة أحدهما هو النقرس المعروف منذ القدم بينما المرض الجديد أطلق عليه مكارثي اسم النقرس الكاذب لأنه يظهر بأعراض مثل النفرس (التهاب حاد وتورم بمفصل واحد غالبا ما يكون الكاحل أو الركبة ونادرا الرسغ) وهو مثل النقرس ينتج عن ترسب بعض بللورات الأملاح ولكنه كاذب فنوع الأملاح مختلف (ثبت أنها أملاح الفوسفات) كما أن طريقة العلاج مختلفة.

نشر د.مكارتي نتيجة أبحاثه في مجلة أنالز عام 1962 وتلقتت الأوساط الطبية والعلمية البحث باهتمام بالغ وتم اجراء العديد من الأبحاث المشابهه التي أثبت أن تلك البللورات لا تسبب فقط نقرس كاذب بل من الممكن أن تؤدي الي التهاب متعدد في المفاصل يشبه تماما الروماتويد المفصلي وممكن أن يظهر بصورة تشبة الخشونة وصورة أخري تشبة تماما تأكل المفاصل الناتج عن ضمور الأعصاب (مرض شاركوت) وصور أخري متعدده بل وجد أنها قد توجد تلك البلورات بدون أن تسبب أية أعراض.. وجريا علي سنة د.مكارثي فان كل باحث اكتشف صورة من صور المرض سماها بالكاذب فظهرت أسماء الروماتويد الكاذب والخشونة الكاذبة ومفصل شاركوت الكاذب وهكذا حتي اشتهر بين أطباء الروماتيزم بالمرض الكاذب!

كما هو واضح فانه من المهم لطبيب الروماتيزم أن يضع في اعتباره احتمال أن تكون تتلك البللورات هي المسببة لالتهاب المفاصل قبل أن يتم تشخيص الحالة علي أنها نقرس أو روماتويد أو خشونة خاصة في كبار السن الذين يكثر لديهم ترسيب تلك الأملاح.

واستمر تشخيص النقرس الكاذب (والذي يفضل العلماء حاليا تسميته بمرض ترسب الفوسفات ليشمل كل الأعراض والمظاهر) في الاعتماد علي الطريقة التي اكتشفه بها أول مرة د.مكارثي وهي وان كانت طريقة دقيقة الا أنها ليست سهلة فهي علي الأقل تطلب سحب عينات من السائل الزلالي بالمفاصل وهو ما لا يفضله معظم المرضي كما تطلب فحص تلك العينات باستخدام الميكرسكوب القطبي وهو مالا يتوفر الا في المستشفيات الكبري ومراكز الأبحاث  لذا كانت وسيلة التشخيص الأكثر شيوعا هي رؤية أثار تلك البللورات بالأشعة العادية وهي طريق تفتقد للدقة والحساسية معا مما جعل تشخيص ذلك المرض صعبا الي حد ما.

ظل الوضع كذلك الي خمس سنوات خلت حين استطاع طبيب الروماتيزم والباحث الايطالي من أصل يوناني جورجيوس فيليب أن يكتشف قدرة الموجات فوق الصوتية علي اكتشاف بللورات الفوسفات داخل الغضاريف بصورة دقيقة وبحساسية عالية ونشر بحثه في احدي المجلات الدولية ولأن السونار يعتمد كثيرا علي خبرة الطبيب وتتختتلف النتائج باختلاف مستوي الخبرة لذلك رأي جورجيوس أنه بحاجة الي أن يجري بحثا يشمل العديد من الخبراء لبيان أنهم جميعا يستطيعون رؤية البللورات كما وصفها هو ..ولهذا الغرض  كون مجموعة بحثية تحت مظلة مجموعة الأومراكت الدولية لأبحاث الروماتيزم وضمتت المجموعة سبع وعشرون باحثا من مختلف الدول الأوربية وأمريكا وأمريكا اللاتينية وشرف كاتب هذا المقال بتمثيل مصر وافريفيا في هذا البحث. كانت تجربة ممتعة استمرت لمدة عامين وتم الجزء العملي في جامعة سيننا الايطالية وجاءت نتائج البحث لتؤكد قدرة السونار علي اكتشاف وتشخيص النقرس الكاذب بدقة كبيرة ونشر هذا البحث في مارس 2018

ويعتقد الباحثون أن استخدام السونار في تشخيص النقرس الكاذب هو نقلة نوعية في هذا المجال ستؤدي الي سهولة ودقة وسرعة التشخيص مما يرجي أن يكون له انعكاساته علي نتيجة العلاج.

وهكذا تتراكم المعرفة عبر العصور ويستمر الانسان في البحث داخل نفسه وخارجها عن مسببات أمراضه وألامه وطرق علاجها وربما كان هذا أفضل شئ نجح فيه الجنس البشري عبر تاريخه.

بللورات الفوسفات التي تسبب النقرس الكاذب

 

إعداد/ حسام الجبالى

عناية الاستاذ/ البير

Share This:

شاهد أيضاً

الروماتويد: اكتشاف عظيم وخطأ فاحش

         دكتـــــور محمــد عطيــة مرتضى استاذ (م.) الروماتيزم إستشارى أمراض العظام والمفاصل والعمود الفقرى              بكلية  ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *